محمد بن جرير الطبري
522
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
في اجازته ، ولم يغيروا شيئا من شارتهم ، تقويه لتهاونهم ، فاقبل المغيرة بن شعبه ، والقوم في زيهم ، عليهم التيجان والثياب المنسوجه بالذهب ، وبسطهم على غلوه لا يصل إلى صاحبهم ، حتى يمشى عليهم غلوه ، واقبل المغيرة وله اربع ضفائر يمشى ، حتى جلس معه على سريره ووسادته ، فوثبوا عليه فترتروه وانزلوه ومغثوه فقال : كانت تبلغنا عنكم الأحلام ، ولا أرى قوما اسفه منكم ! انا معشر العرب سواء ، لا يستعبد بعضنا بعضا الا ان يكون محاربا لصاحبه ، فظننت انكم تواسون قومكم كما نتواسى ، وكان أحسن من الذي صنعتم ان تخبرونى ان بعضكم أرباب بعض ، وان هذا الأمر لا يستقيم فيكم فلا نصنعه ، ولم آتكم ، ولكن دعوتموني اليوم ، علمت أن امركم مضمحل ، وانكم مغلوبون ، وان ملكا لا يقوم على هذه السيرة ، ولا على هذه العقول فقالت السفله : صدق والله العربي ، وقالت الدهاقين : والله لقد رمى بكلام لا يزال عبيدنا ينزعون اليه ، قاتل الله أولينا ، ما كان أحمقهم حين كانوا يصغرون امر هذه الامه ! فمازحه رستم ليمحو ما صنع ، وقال له : يا عربي ، ان الحاشية قد تصنع ما لا يوافق الملك ، فيتراخى عنها مخافه ان يكسرها عما ينبغي من ذلك ، فالأمر على ما تحب من الوفاء وقبول الحق ، ما هذه المغازل التي معك ؟ قال : ما ضر الجمره الا تكون طويله ! ثم راماهم وقال : ما بال سيفك رثا ! قال : رث الكسوة ، حديد المضربه ثم عاطاه سيفه ، ثم قال له رستم : تكلم أم أتكلم ؟ فقال المغيرة : أنت الذي بعثت إلينا ، فتكلم ، فأقام الترجمان بينهما ، وتكلم رستم ، فحمد قومه ، وعظم امرهم وطوله ، وقال : لم نزل متمكنين في البلاد ، ظاهرين على الأعداء ، اشرافا في الأمم ، فليس لأحد من الملوك مثل عزنا وشرفنا وسلطاننا ، ننصر على الناس ولا ينصرون علينا الا اليوم واليومين ، أو الشهر والشهرين ، للذنوب ، فإذا انتقم الله فرضى رد إلينا عزنا ، وجمعنا لعدونا شر يوم هو آت عليهم